هذا الموضوع كتبت مسودته منذ أربعة شهور تقريبا ولكني كنت أنتظر الوقت المناسب لطرحه ... وأعتقد أن الوقت قد حان مع بدء دوران عجلة الحياة السياسية في مصر وتشكيل عدد من الأحزاب.
وقبل أن أستطرد لي رجاء من الجميع وهو عدم حرف الموضوع عن مساره وتحويله لمناقشة حول مبادئ الفكر الليبرالي ومقارنته بغيره من الأفكار ... بل الاقتصار على مناقشة فكرة التكتلات السياسية وكيفية تفعيلها
كما نعلم جميعا مصر مقبلة بعد شهور قليلة على مرحلة هامة من تاريخها تتمثل في تنظيم أول انتخابات نيابية حرة بعد ثورة أطاحت بالديكتاتورية والاستبداد ... ورغم أننا كنا نفضل منح مزيد من الوقت للقوي السياسية الجديدة لتنظيم قواعدها وتأسيس هياكلها فإن الإرادة الشعبية التي تجلت في الاستفتاء الأخير قد حسمت الخلاف حول ترتيبات المرحلة الانتقالية وبالتالي لابد من احترام هذه الإرادة والعمل وفقا لما استقرت عليه
والحركة الليبرالية في مصر اليوم هي في منعطف حرج يفرض على قادتها التوحّد والاستعداد لهذه المرحلة الحاسمة ... مترفعين عن الحسابات الضيقة والخلافات الشخصية، واسمحوا لي أن أبدأ باستعراض سريع لواقع الحركة في مصر بعد عقود من الحكم الشمولي والتجييش الديني وغسيل الأدمغة الإعلامي، لدينا بداية الأحزاب الرسمية القديمة (الوفد - الغد - الجبهة) وهي أحزاب إما ناشئة أو ذات قاعدة جماهيرية ضعيفة وأحزاب أخرى تحت التأسيس مثل حزب المصريين الأحرار والحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي ، وبجانبها كتلة شعبية مسيّسة أشعلت ثورة يناير وشاركت فيها بفاعلية، وهي على حجمها الكبير تفتقد الى التنظيم والخبرة السياسية، وأخيرا هناك كتلة أكبر من الشعب ذات توجهات فكرية ليبرالية ولكنها بعيدة كل البعد عن العمل السياسي.
وظيفة الأحزاب السياسية في هذه المرحلة هي استقطاب هتين الكتلتين لتكوين قاعدة شعبية تصل بها الى مقاعد البرلمان وكرسي الرئاسة، إذ لا يخفى على أحد أن الأحزاب لا يمكن أن تنشأ أو تنمو أو تستمر دون قاعدة سياسية تدعمها، بل إن الغرض من الأحزاب هو تمثيل أفكار وقناعات ومبادئ والدفاع عن مصالح شرائح وقطاعات معينة من المجتمع، لذا يلزم أولا أن يكون هناك تعريف واضح للقاعدة السياسية التي تستند عليها الأحزاب الليبرالية عموما والحزب المصري خصوصا.
لا أدّعي معرفة سياسية عميقة، ولكن بالبديهة أقول أن القاعدة السياسية للأحزاب الليبرالية هي غالبا الطبقة الوسطى البرجوازية من الحاصلين على قدر معتبر من التعليم (خريجي الجامعات والمعاهد) والمثقفين و أصحاب الأعمال الصغيرة من غير ذوي التوجهات الدينية الأصولية، يضاف اليهم الأقباط والأقليات المهمشة التي تميل للأفكار الليبرالية التي تحفظ لها حقوقها وحرياتها الأساسية، وهؤلاء يشكلون نسبة لا بأس بها من المجتمع، وإن كانت لا تزال أقلية مقارنة بالفئات التي تدعم التيارات المتأسلمة والقومية والناصرية، وتقديري أن الأحزاب الليبرالية مجتمعة تستطيع حشد نسبة تتراوح بين 15 و25 بالمائة من مجموع الأصوات في ظلّ الأوضاع الراهنة والفترة المتاحة حتى موعد الانتخابات القادمة إن عملت بكفاءة على تنظيم أنفسها وتصحيح مسارات عملها ونشطت في استقطاب الكوادر وخلق وجود مؤثّر في الشارع.
ونسبة كهذه وإن كانت تبدو قليلة، فإنها في ظل برلمان متعدد الأطياف وحكومة ائتلافية تمكّن الأحزاب الليبرالية عن طريق التحالفات والمناورات السياسية الذكية من الحصول على نصيب جيد من مواقع التأثير وصنع القرار وتمرير جزء من أجندتها، انتظارا لتغير الظروف واستكمال البناء في مراحل تالية. لكن من المهم جدا وجود تنسيق بين مختلف الأحزاب والتيارات الليبرالية قد يأخذ شكل النزول بقائمة موحدة أو تقسيم الدوائر الانتخابية أو التعاون بين الكوادر الميدانية لدعم مرشحي التحالف في دوائرهم ... الى آخر هذه الأشكال من التنسيق السياسي.
كما يلزم أيضا القيام بحملة إعلامية مكثفة لتصحيح الأفكار والمفاهيم الخاطئة التي ترسخت في أذهان العامة حول الليبرالية والليبراليين والتي لعب إعلام النظام البائد والتيارات الدينية دورا كبيرا في نشرها بين الناس، ومنها:
- الليبرالية تيار علماني ضدّ الدين: الليبرالية تحترم الأديان وتكفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية ومبادئها تتوافق مع ما جائت به الأديان السماوية من قيم التسامح والكرامة الإنسانية والحرية.
- الليبرالية هي الرأسمالية المتوحشة: النظم الليبرالية في أوروبا هي التي قدمت نظم دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية مع الحفاظ على كفاءة الإنتاج وروح الابداع والابتكار في ظل نظام السوق الحرّ.
- الليبرالية فكرة دخيلة على مجتمعنا: مصر لها تاريخ ليبرالي ممتد منذ ما يقرب من مائة عام والفترة التي حكم فيها التيار الليبرالي مصر هي من أزهي المراحل في تاريخنا وهي من قدمت لنا شخصيات مثل طلعت حرب وسعد زغلول وعباس العقاد ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من القمم السياسية والفكرية والفنية.
- الليبراليون عملاء للخارج: الليبرالية حركة وطنية ذات تاريخ مشرّف في مقارعة الاستعمار الخارجي والداخلي ... والليبراليون كما أنهم من قام بثورة 1919 وحصلوا لمصر على استقلالها في مرحلة لاحقة فإنهم من أشعلوا ثورة يناير والتي استعاد فيها الشعب حريته.
- الليبراليون لا يختلفون عن الحزب الوطني وهيخربوا البلد: الحزب الوطني وإن كان يرفع بعض الشعارات الليبرالية مثل حرية السوق والديموقراطية فإن تطبيقه لها كان مشوّها نتيجة استشراء الفساد والاستبداد والسلطوية، أما الليبرالية الحقيقية فهي تختلف تماما عما كان سائدا في مصر قبل ثورة يناير العظيمة.
أعتقد أن الخطوة الاولى المطلوبة من القوى الليبرالية في مصر هي أن تجتمع على كلمة سواء وتضع خطة عمل عاجلة وشاملة حتى لا تخرج صفر اليدين من الاختبار الديموقراطي القادم وتندثر معها مكاسب ثورة الشعب المصري . كلي أمل في حكمة وبصيرة قادة الأحزاب الليبرالية ونحن معهم يدا بيد من أجل تحقيق الإنجاز المطلوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق