السبت، 2 يوليو 2011

بين معاداة السامية ومعاداة السلفية


معاداة السامية مصطلح ظهر لوصف النظرة الدونية والاضطهاد والتمييز الذي عانى منه اليهود في أوروبا - وأماكن أخرى - خلال العصور الوسطى وبعدها نتيجة لأصولهم العرقية وانتماءهم الديني ... وهذا الاضطهاد - عكس ما يتصور البعض - حقيقي وموثق ... ولكن ما أعطى لهذا المصطلح سمعته السيئة في بلادنا أن اليهود استخدموه للتشهير بكل من جرؤ على انتقاد كيانهم الغاصب وسياساته الظالمة والعدوانية وممارساته الإجرامية ضد الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما ... بحيث أصبحت معاداة السامية تهمة جاهزة وسيفا مسلطا على رقاب الجميع لمنعهم من المساس بإسرائيل ومنح اليهود حصانة ضد النقد.

والظاهر أن عقدة الاضطهاد التي يعاني منها اليهود قد انتقلت الى بعض بني جلدتنا ممن ينتمون الى ما يسمى التيار الإسلامي فجعلتهم يحسبون كل صيحة عليهم ويعتبرون كل اختلاف معهم عداء لهم - والأدهى عداء للإسلام ذاته - وكل انتقاد لتصرفاتهم أو مناقشة لافكارهم حربا شعواء لتشويه صورتهم ... وبما أن كل شيء مسموح في الحرب والحب فإن مخازن الأسلحة - فشر مخازن القذافي - تفتح و تستخدم كل أنواع أسلحة التخوين والتكفير والتجهيل والاتهام بالعمالة ضد كل من يتجرأ ويختلف مع إحد المحسوين على هذه التيارات ويتم استحضار نظريات المؤامرة على الإسلام وفتح الدفاتر والبحث في السيديهات - ولا تقوليش مرتضى منصور - عن أي زلة لسان لهذا الشخص لاغتياله معنويا و أدبيا وتسفيه افكاره وأراءه زنزع المصداقية عنه

من يقرأ تعليقات القراء على أي مقال فكري أو سياسي لأحد الكتاب من غير هذا التيار انتقد فيه السلوك السياسي للإخوان أو السلفيين أو تصريحات بعض رموزهم سوف يصعق - ليس فقط من كمية الشتائم والبذاءات والاتهامات والتصنيفات والهجوم الشخصي - ولكن من قلة الفكر والنقاش الموضوعي في الردود ... فمن يكتب صفحة كاملة لإثبات أن الكاتب هو جزء من مؤامرة علمانية حاقدة على الإسلام (هكذا!) ويستقصي عيوبه من يوم ولدته أمه لا يكلف نفسه كتابة سطرين يناقش فيهما فكرة المقال ويحاول دحض ما جاء فيه بالحجة والمنطق ... للدرجة التي أصبحت فيها وصلات الردح البلدي في تعليقات القراء هي القاعدة وما سواها وهو الاستثناء

بقي أن نشير الى ملمحين للتشابه بين الإرهاب الفكري الذي يستخدم فيه دعوى معاداة السامية ونظيره المرتبط بمعاداة السلفية
أولا أن مطلقا كلا الاتهامين ينطلقان من موقف استعلائي وينظران لنفسهما ليس كجزء من المجموع الذي ينتميان اليه بل كجزء متسامي عنه ومتفوق عليه ... فكما ينظر اليهود لأنفسهم باعتبارهم شعب الله المختار فإن إخواننا السلفيين يعتبرون أنفسهم "أهل الفضل" ومن يمتلكون الحقيقة المطلقة والأوصياء على الجميع

ثانيا: أنه في الحالتين تحول الضحية الى جلاد ... فكما أن اليهود قد يمارسون على غيرهم القمع والاضطهاد الذي مورس عليهم في فترات سابقة فإن إخواننا مما يسمى بالتيار الإسلامي يمارسون الآن - وبدقة مدهشة - سياسة الإقصاء والتهميش ضد غيرهم من القوى المدنية والتي كانوا ضحيتها في عصور سابقة ... لدرجة أن حملات الهجوم والتشوية التشهير التي يمارسها أنصار هذا التيار على صفحات الفيس بوك لا يمكن مقارنتها سوى بحملات اللجنة الالكترونية في الحزب الوطني المنحل التي كانت تملأ الانترنت أيام الثورة.

لكن ما يطمئنني أنهم لن يستطيعوا استخدام هذه المظلومية المدعاة الى الأبد لإضفاء هالة من القداسة على تصرفاتهم وأفكارهم بل سيأتي يوم تنكشف فيه حيلتهم كما انكشفت حيلة معاداة السامية التي استخدمها اليهود ... فكما تقول الحكمة: لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق