ماكسميليان روبسبيير - لمن لا يعرفه - هو أحد أشهر شخصيات الثورة الفرنسية وأكثرها تأثيرا، عرف عنه تأييده لاستخدام العنف مع أعداء الثورة وأعدم آلافا منهم بالمقصلة وعلى رأسهم الملك لويس السادس عشر، وطاله هذا العنف الشديد في النهاية فأعدم هو نفسه بالمقصلة على يد رجال الثورة، يضرب به المثل في الإخلاص للمبادئ الثورية والاستعداد لاستخدام كل الوسائل - مهما كانت ديكتاتورية وقاسية وظالمة - للقضاء على خصومها، ليقينه أنهم لو نجحوا في القضاء عليها فلن يكون تعاملهم مع من قاموا بها ديموقراطيا أو رحيما أو عادلا.
بعد نجاح المرحلة الأولى من ثورة الشعب المصري بتنحي مبارك وعند الشروع في عملية تطهير مفاصل الدولة من أنصار النظام السابق تردد كثيرا اسم روبسبيير على لسان بعض أدعياء الحكمة والعقلانية ممن يضمرون الحقد والكراهية للثورة ولكنهم يعطونها من طرف اللسان حلاوة ويتصنعون الخوف عليها من الانزلاق الى مستنقع الفوضى والدموية ، رغم أن القاصي والداني يعرف أن الفوضى صنعها الجهاز الأمني للنظام البائد والدموية مصدرها بلطجيته وجماله وبغاله، أقول لقد صدّع هؤلاء رؤوسنا بالولولة على سلمية الثورة وتحضرها إن هي أستكملت أهدافها وأزاحت رموز الفساد من مواقع التأثير الإعلامية والأمنية والسياسية والاقتصادية، ووصفوا من يدعون الى ذلك بأنهم يسيرون على نهج روبسبيير وسيجرون البلاد الى عهد من الإرهاب الثوري ينتهي باستبداد جديد في تكرار لسيناريو الثورة الفرنسية.
وأصدقكم القول أنني شخصيا قد تأثرت بهذه الدعاوي في حينها ودعوت الى الرفق والتمهل في التطهير والإصلاح حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، إلا أنه وبعد ما يزيد عن أربعة شهور على سقوط رأس النظام وبعد مئة يوم أو يزيد على تولي السيد عصام شرف رئاسة الحكومة قد أصبحت أكثر يقينا بأنه دون تطهير شامل وفوري وحاسم لجميع مفاصل ومستويات الدولة فإن الثورة ستكون في مهب الريح وسيتمكن الاستبداد من استعادة السيطرة على الأمور عن طريق فلوله وعملاءه وأذنابه المنتشرين في مختلف المواقع بدءا من مجلس الوزراء نفسه مرورا بالمحافظات والمواقع المحلية والجهاز الأمني وليس انتهاء بالجامعات. ولعل ما غفل - أو تغافل - عن ذكره من كانوا يخوفوننا بروبسبيير ودمويته أن النتيجة النهائية للثورة الفرنسية، ورغم الانتكاسات العديدة التي مرت بها والثمن الباهظ الذي دفعته، هو ترسّخ قيم الحرية والعدالة والمساواة وانتشارها الى مختلف أصقاع العالم والسقوط النهائي لعصور الاستبداد ونظريات الحق الإلهي في أوروبا، حتى أصبحت فرنسا الدولة الرائدة بين دول العالم في الدفاع عن الحريات والديموقراطية وأضحت الثورة الفرنسية علامة فارقة في تاريخ الإنسانية.
إنني اليوم على قناعة تامة بأن المشكلة الكبرى لثورتنا أنها لم تستطع إنتاج "روبسبيير" الخاص بها، ذلك النموذج من القادة الذي يمتزج فيه النقاء الثوري مع الجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية بالأشخاص من أجل المبادئ والقدرة على إثارة حماس الجماهير بمنطقه البليغ وكاريزميته المبهرة، شخص له خيال البرادعي وثورية علاء الأسواني وفكر وائل غنيم وشعبية بلال فضل وجرأة أيمن نور وعفوية نواره نجم وإصرار أحمد ماهر وحزم عصام سلطان ودهاء محمد بديع وفصاحة سليم العوا وكاريزما عمرو خالد ، ولكن يبدو أن لدينا مشكلة مزمنة في الـ"تقفيل" كما يقال، فبعد أن استطعنا اسقاط الدكتاتور وربيبه شفيق، اخترنا شخصا كعصام شرف ليكون رئيسا لحكومة الثورة وممثلا لها، وحقيقة لا أعلم بالضبط ماذا كان يدور في خلد من قاموا بترشيح الدكتور عصام للمجلس العسكري ولا على أي أساس تم هذا الترشيح، وإن كنت أعلم يقينا لماذا قبل المجلس العسكري - الراغب في إجهاض الثورة والمتلهف لإخماد جذوتها - ترشيحه، فلم يعرف يوما عن عصام شرف أنه من معارضي النظام السابق، بل على العكس من ذلك خدم بإخلاص في إحدى حكومات لجنة السياسات وخرج منها كما خرج غيره من الوزراء، وهو كذلك ليس ممن صنعوا هذه الثورة وقادوها، أو حتى شاركوا فيها منذ بدايتها، بل نزل ميدان التحرير كما نزل الملايين غيره بعد أن حسم الأمر يومي جمعة الغضب وموقعة الجمل وتم تحييد قوى الأمن بتضحيات مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وكذلك لم يعرف عنه- إن افترضنا حتى أن ما نريده هو حكومة كفاءات وليس حكومة ثورية - قدرة إدارية فذّة أو كاريزما نادرة تبرر اختياره لإدارة هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ وطننا.
ومع احترامي لنزاهة وتواضع وطيبة الدكتور شرف، فإنني أعتقد أن اختياره لرئاسة الحكومة كان بلاء مستطيرا على الثورة المصرية، فلا يمكن لثورة هادرة أن تدار بعقلية موظف ضعيف متردد فاقد للرؤية مفتقد لأبجديات الكفاءة السياسية، ولا يصح أن يقود التغيير الشامل الجذري الحقيقي من يسعى لإرضاء جميع الأطراف بمن فيهم - بل وربما على رأسهم - رموز وأنصار النظام البائد، وحكومة ثورة لا يمكن أن تضم بين جنباتها هذا العدد الكبير من المحسوبين على النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه، والنتيجة ما نراه من فوضى وضعف وشلل في كافة المواقع لأن من يديرونها هم في حالة من العداء أو التوجس أو على الأقل عدم الاكتراث للثورة والأهداف التي قامت لتحقيقها.
لقد وعد الدكتور شرف في ميدان التحرير (الذي بدا واضحا أنه سيق اليه على غير إرادته، بدليل أنه لم يعد اليه بعد ذلك مطلقا بل رأيناه يتظاهر بعدها بأسابيع قليلة عند المنصة تأييدا للمجلس العسكري) بأن يستقيل إن هو فشل في تحقيق أهداف الثورة، ولا أظن منصفا يستطيع أن يدّعي بعد ثلاثة شهور أن أهداف الثورة - أو معظمها - قد تحققت، وحتى القليل الذي انجز مثل حلّ الحزب الوطني والمحليات ومحاكمة مجرمي الداخلية فقد تم بواسطة سلطة قضائية ليس للحكومة يد فيها، بل والأدهى أن الدكتور شرف قد وضع نفسه كحائط صدّ بين الشعب الثائر وبين السلطة الفعلية ممثلة في المجلس العسكري لامتصاص الضغط الذي يمارسه الشارع وبالتالي تجنيب المجلس العسكري حرج عدم الاستجابة للمطالب المشروعة للشعب المصري، ولو تغاضينا عن مسألة الثورة فيمكن - وبكل ثقة - أن نقول أن الحكومة قد فشلت في إدارة معظم الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية بكفاءة معقولة، ولا يتذرعن أحد بالثورة وتوابعها فقد كانت تلك هي المعطيات التي قبل السيد عصام شرف على ضوئها المسؤولية، ولذا فإنني أدعو الدكتور شرف حفاظا على ما تبقى من مصداقيته وكرامته بالاستقالة الفورية تجنيبا للبلاد استمرار هذه الحالة من الفوضى والتخبط والميوعة، التي تمثل بيئة مثالية لاستعادة النظام السابق سيطرته على الأمور واجهاض ثورة الشعب.
إن ثورتنا لا زالت في انتظار قائدها ... ثوري جرئ مخلص نقي ذو رؤية وبصيرة مؤمن بالمبادئ التي قامت الثورة عليها وبالأهداف التي تسعى لتحقيقها، قائد على نمط روبسبيير (إن استثنينا دمويته) يقود عملية تطهير شامل لجميع مؤسسات الدولة والمجتمع السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والخدمية ليخرجها من عهد الى عهد ويضخ فيها دماء الثورة، قائد يعمل لتحقيق قطيعة تامة ونهائية مع عهد سابق ويتطلع لبناء مصر جديدة وليس لترقيع هنا وترميم هناك، قائد قادر على إثارة الحماس والتفاول في نفوس الشعب ودفع الأغلبية الصامتة المتفرجة للانخراط في الثورة واستلهام روحها والدفاع عنها في وجه من يريدون إعادة عقارب الساعة الى الوراء. وحتى يأتي هذا القائد يجب أن تظل جذوة الثورة مشتعلة في النفوس ... فالثورة حالة نفسية قبل أن تكون فعلا على الأرض.
بعد نجاح المرحلة الأولى من ثورة الشعب المصري بتنحي مبارك وعند الشروع في عملية تطهير مفاصل الدولة من أنصار النظام السابق تردد كثيرا اسم روبسبيير على لسان بعض أدعياء الحكمة والعقلانية ممن يضمرون الحقد والكراهية للثورة ولكنهم يعطونها من طرف اللسان حلاوة ويتصنعون الخوف عليها من الانزلاق الى مستنقع الفوضى والدموية ، رغم أن القاصي والداني يعرف أن الفوضى صنعها الجهاز الأمني للنظام البائد والدموية مصدرها بلطجيته وجماله وبغاله، أقول لقد صدّع هؤلاء رؤوسنا بالولولة على سلمية الثورة وتحضرها إن هي أستكملت أهدافها وأزاحت رموز الفساد من مواقع التأثير الإعلامية والأمنية والسياسية والاقتصادية، ووصفوا من يدعون الى ذلك بأنهم يسيرون على نهج روبسبيير وسيجرون البلاد الى عهد من الإرهاب الثوري ينتهي باستبداد جديد في تكرار لسيناريو الثورة الفرنسية.
وأصدقكم القول أنني شخصيا قد تأثرت بهذه الدعاوي في حينها ودعوت الى الرفق والتمهل في التطهير والإصلاح حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، إلا أنه وبعد ما يزيد عن أربعة شهور على سقوط رأس النظام وبعد مئة يوم أو يزيد على تولي السيد عصام شرف رئاسة الحكومة قد أصبحت أكثر يقينا بأنه دون تطهير شامل وفوري وحاسم لجميع مفاصل ومستويات الدولة فإن الثورة ستكون في مهب الريح وسيتمكن الاستبداد من استعادة السيطرة على الأمور عن طريق فلوله وعملاءه وأذنابه المنتشرين في مختلف المواقع بدءا من مجلس الوزراء نفسه مرورا بالمحافظات والمواقع المحلية والجهاز الأمني وليس انتهاء بالجامعات. ولعل ما غفل - أو تغافل - عن ذكره من كانوا يخوفوننا بروبسبيير ودمويته أن النتيجة النهائية للثورة الفرنسية، ورغم الانتكاسات العديدة التي مرت بها والثمن الباهظ الذي دفعته، هو ترسّخ قيم الحرية والعدالة والمساواة وانتشارها الى مختلف أصقاع العالم والسقوط النهائي لعصور الاستبداد ونظريات الحق الإلهي في أوروبا، حتى أصبحت فرنسا الدولة الرائدة بين دول العالم في الدفاع عن الحريات والديموقراطية وأضحت الثورة الفرنسية علامة فارقة في تاريخ الإنسانية.
إنني اليوم على قناعة تامة بأن المشكلة الكبرى لثورتنا أنها لم تستطع إنتاج "روبسبيير" الخاص بها، ذلك النموذج من القادة الذي يمتزج فيه النقاء الثوري مع الجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية بالأشخاص من أجل المبادئ والقدرة على إثارة حماس الجماهير بمنطقه البليغ وكاريزميته المبهرة، شخص له خيال البرادعي وثورية علاء الأسواني وفكر وائل غنيم وشعبية بلال فضل وجرأة أيمن نور وعفوية نواره نجم وإصرار أحمد ماهر وحزم عصام سلطان ودهاء محمد بديع وفصاحة سليم العوا وكاريزما عمرو خالد ، ولكن يبدو أن لدينا مشكلة مزمنة في الـ"تقفيل" كما يقال، فبعد أن استطعنا اسقاط الدكتاتور وربيبه شفيق، اخترنا شخصا كعصام شرف ليكون رئيسا لحكومة الثورة وممثلا لها، وحقيقة لا أعلم بالضبط ماذا كان يدور في خلد من قاموا بترشيح الدكتور عصام للمجلس العسكري ولا على أي أساس تم هذا الترشيح، وإن كنت أعلم يقينا لماذا قبل المجلس العسكري - الراغب في إجهاض الثورة والمتلهف لإخماد جذوتها - ترشيحه، فلم يعرف يوما عن عصام شرف أنه من معارضي النظام السابق، بل على العكس من ذلك خدم بإخلاص في إحدى حكومات لجنة السياسات وخرج منها كما خرج غيره من الوزراء، وهو كذلك ليس ممن صنعوا هذه الثورة وقادوها، أو حتى شاركوا فيها منذ بدايتها، بل نزل ميدان التحرير كما نزل الملايين غيره بعد أن حسم الأمر يومي جمعة الغضب وموقعة الجمل وتم تحييد قوى الأمن بتضحيات مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وكذلك لم يعرف عنه- إن افترضنا حتى أن ما نريده هو حكومة كفاءات وليس حكومة ثورية - قدرة إدارية فذّة أو كاريزما نادرة تبرر اختياره لإدارة هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ وطننا.
ومع احترامي لنزاهة وتواضع وطيبة الدكتور شرف، فإنني أعتقد أن اختياره لرئاسة الحكومة كان بلاء مستطيرا على الثورة المصرية، فلا يمكن لثورة هادرة أن تدار بعقلية موظف ضعيف متردد فاقد للرؤية مفتقد لأبجديات الكفاءة السياسية، ولا يصح أن يقود التغيير الشامل الجذري الحقيقي من يسعى لإرضاء جميع الأطراف بمن فيهم - بل وربما على رأسهم - رموز وأنصار النظام البائد، وحكومة ثورة لا يمكن أن تضم بين جنباتها هذا العدد الكبير من المحسوبين على النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه، والنتيجة ما نراه من فوضى وضعف وشلل في كافة المواقع لأن من يديرونها هم في حالة من العداء أو التوجس أو على الأقل عدم الاكتراث للثورة والأهداف التي قامت لتحقيقها.
لقد وعد الدكتور شرف في ميدان التحرير (الذي بدا واضحا أنه سيق اليه على غير إرادته، بدليل أنه لم يعد اليه بعد ذلك مطلقا بل رأيناه يتظاهر بعدها بأسابيع قليلة عند المنصة تأييدا للمجلس العسكري) بأن يستقيل إن هو فشل في تحقيق أهداف الثورة، ولا أظن منصفا يستطيع أن يدّعي بعد ثلاثة شهور أن أهداف الثورة - أو معظمها - قد تحققت، وحتى القليل الذي انجز مثل حلّ الحزب الوطني والمحليات ومحاكمة مجرمي الداخلية فقد تم بواسطة سلطة قضائية ليس للحكومة يد فيها، بل والأدهى أن الدكتور شرف قد وضع نفسه كحائط صدّ بين الشعب الثائر وبين السلطة الفعلية ممثلة في المجلس العسكري لامتصاص الضغط الذي يمارسه الشارع وبالتالي تجنيب المجلس العسكري حرج عدم الاستجابة للمطالب المشروعة للشعب المصري، ولو تغاضينا عن مسألة الثورة فيمكن - وبكل ثقة - أن نقول أن الحكومة قد فشلت في إدارة معظم الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية بكفاءة معقولة، ولا يتذرعن أحد بالثورة وتوابعها فقد كانت تلك هي المعطيات التي قبل السيد عصام شرف على ضوئها المسؤولية، ولذا فإنني أدعو الدكتور شرف حفاظا على ما تبقى من مصداقيته وكرامته بالاستقالة الفورية تجنيبا للبلاد استمرار هذه الحالة من الفوضى والتخبط والميوعة، التي تمثل بيئة مثالية لاستعادة النظام السابق سيطرته على الأمور واجهاض ثورة الشعب.
إن ثورتنا لا زالت في انتظار قائدها ... ثوري جرئ مخلص نقي ذو رؤية وبصيرة مؤمن بالمبادئ التي قامت الثورة عليها وبالأهداف التي تسعى لتحقيقها، قائد على نمط روبسبيير (إن استثنينا دمويته) يقود عملية تطهير شامل لجميع مؤسسات الدولة والمجتمع السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والخدمية ليخرجها من عهد الى عهد ويضخ فيها دماء الثورة، قائد يعمل لتحقيق قطيعة تامة ونهائية مع عهد سابق ويتطلع لبناء مصر جديدة وليس لترقيع هنا وترميم هناك، قائد قادر على إثارة الحماس والتفاول في نفوس الشعب ودفع الأغلبية الصامتة المتفرجة للانخراط في الثورة واستلهام روحها والدفاع عنها في وجه من يريدون إعادة عقارب الساعة الى الوراء. وحتى يأتي هذا القائد يجب أن تظل جذوة الثورة مشتعلة في النفوس ... فالثورة حالة نفسية قبل أن تكون فعلا على الأرض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق