الثلاثاء، 21 يونيو 2011

تطهير الشرطة أولا


تخبرنا كتب التاريخ أنه بعد انتصار العثمانيين على المماليك وسيطرتهم على مصر في بدايات القرن السادس عشر استخدموا المماليك المهزومين للسيطرة على الأوضاع الداخلية بمصر لما لهم من خبرة في هذا الشأن، وبعد أن كان المماليك يتصرفون في مصر كحكام وسلاطين أقاموا حضارة عظيمة ودولة قوية تحولوا في عهد العثمانيين الى مرتزقة وإقطاعيين ينهبون خيرات البلد ويسومون شعبها سوء العذاب وينشرون فيها الفوضى والقهر والفساد، حتى أتي الغازي الفرنسي بقيادة نابليون لينهزموا أمامه سريعا في معركة امبابه، وبعد اندحار الحملة الفرنسية نتيجة ثورات المصريين وتدمير الاسطول الفرنسي على يد الانجليز حاول المماليك العودة الى وضعهم السابق، ولكن الوالي الجديد محمد على أدرك ببصيرته الثاقبة أن قيام دولة حديثة قوية مرتبط بالتخلص من تلك الفئة التي امتصت دماء مصر ودفعت بشعبها في غياهب الجهل والمرض والفقر والتخلف ، فدبر لهم مذبحة القلعة وتخلص منهم لينطلق بعد ذلك لبناء دولة قوية متقدمة لا نزال نعيش إنجازاتها حتى اليوم.

واليوم بعد ما يقرب من قرنين من هذه الحادثة يبدو أننا في حاجة لمذبحة قلعة جديدة (بالمعنى المجازي للكلمة حتى لا يتهمني أحد بالتحريض على القتل) لتخليصنا من المماليك الجدد الذين ركبوا على رقابنا وأذلونا وعذبونا واستحقرونا ونهبونا وخانونا وتآمروا ضدنا ... كل ذلك وهم يأخذون مرتباتهم من جيوبنا ليقمعونا ويهينونا بها ... وأقصد هنا طبعا الفاسدين في جهاز الشرطة ووزارة الداخلية ... لا سيما أولائك المنتمين الى جهاز أمن الدولة المقبور ... بعد أن ثبت لأي منصف أنهم لم ولن يتغيروا بل يسعون للعودة الى وضعهم القديم كأسياد للشعب وإصرارهم على الانتقام منه لأنه ثار على ظلمهم ومحاولة تركيعه وإجباره على استجداء الأمان منهم وفق شروطهم المجحفة وأهواءهم المريضة ... وبعد أن تيقنا أنهم وراء حالة الانفلات الأمني، والذي هو السبب الأساسي للانهيار الاقتصادي وذلك في مسعاهم لإجهاض الثورة وتنفير أغلبية الشعب منها وقلبهم على الثوار.

ومع كل الاحترام للآراء التي تنادي بالدستور أو بالمجلس الرئاسي أو بالانتخابات أولا فأنا أرى خطئها جميعا ... فالأولوية الأولى لقوى الثورة – وأنا هنا أتحدث عمن يريدونها ثورة حقيقية مش كده وكده – هي تطهير جهاز الشرطة من الفاسدين المفسدين وإعادة بناءه على أسس صحيحة ... ذلك المطلب الذي بحت أصوات الشرفاء وهم يطالبون به منذ لحظة تنحي المخلوع ولكن لا حياة لمن تنادي سواء كان مجلس جنرالات مبارك أو حكومات لجنة السياسات الذين يصرون على الإبقاء على سلاحي الأمن والإعلام في أيديهم وعدم التفريط فيهما لقوى الثورة واستخدامهما بفاعلية لمحاولة إجهاضها والالتفاف عليها. يتجلى ذلك في الحملة المسعورة لتخويف المواطنين وإجبارهم على قبول فكرة عودة الشرطة دون محاسبة وبنفس عقليتها ومنهجيتها وممارساتها وقبحها.

وقد يسأل سائل: ولماذا هذه الاستماتة في الحفاظ على جهاز الشرطة بشكله وقياداته الحالية ... خصوصا ونحن نعلم جيدا الكراهية المتبادلة بين ضباط الشرطة والجيش الذي يحكم حاليا ... أقول له أن الأمر يتجاوز المشاعر الى المصالح ... فالعسكر لا يريدون أن يفقدوا السيطرة على الأمور ولذلك فهم يودون الحفاظ على نظام الحكم القائم منذ ثورة يوليو مع تغيير الأشخاص والمسميات ... وهم يعلمون جيدا أن قوى الأمن الداخلي هي سلاحهم الأقوى في إجهاض الثورة ومنعها من استكمال تحقيق أهدافها والعبور بمصر الى حكم مدني يحجم دور العسكر الاقتصادي والسياسي ويضعهم تحت سلطة المدنيين ... فمن جانب فإن الأمن يمكنه إن استعاد سلطته أن يؤثر بصورة كبيرة على نتيجة الانتخابات البرلمانية القادمة ويضمن عودة السيطرة للنظام السابق ... ومن جانب آخر فإن استمرار قوى الأمن في أداء دورها المشبوه في إثارة الفوضى وعدم الاستقرار كفيل بإسقاط أي حكومة قد تأتي بها الثورة أو على الأقل شلّ حركتها وإفساد جميع مساعيها للإصلاح.

إن الثورة الآن في مفترق طرق حاسم وسيعتمد نجاحها أو فشلها على قدرتها على انتزاع السيطرة على السلاحين الأقوى من يد قوى الثورة المضادة وهما الأمن والإعلام وتطهيرهما من العناصر الموالية للنظام السابق. ولذا فإنني أدعو كل القوى الوطنية لتجاوز خلافاتها ولتنزل الى الشارع بمطلب واحد هو إصلاح وزارة الداخلية وتنحية وعزل المجرمين والمفسدين بها ... قبل أن نندم حين لا ينفع الندم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق